القرطبي

129

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يشفعون له ، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد للعسكر وتلك ساعة شغل للميت ، لأنه يستقبله هول المطلع ، وسؤال وفتنة فتّاني القبر - على ما يأتي - . والجزور بفتح الجيم من الإبل ، والجزرة من الضأن والمعزة خاصة . قاله في « الصحاح » . فصل قول عمرو بن العاص رضي اللّه عنه : « فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار » ، توصية منه باجتناب هذين الأمرين ، لأنهما من عمل الجاهلية ، ولنهي النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال العلماء : ومن ذلك الضجيج بذكر اللّه سبحانه وتعالى أو بغير ذلك حول الجنائز ، والبناء على المقابر ، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة وغيرها ، لأجل الموتى ، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت ، وصنعة الطعام ، والمبيت عندهم . كل ذلك من أمر الجاهلية ، ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت اليوم في يوم السابع ، فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحّم عليه ، وهذا محدث لم يكن فيما تقدم ، ولا هو مما يحمده العلماء ، قالوا : وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر ، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود ، ونشر الشعور ، وشق الجيوب ، واستماع النوح ، وكذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت - كما ذكرنا - فيجتمع عليه النساء والرجال من فعل قوم لا خلاق لهم . وقال أحمد بن حنبل : هو من فعل الجاهلية ، قيل له : أليس قد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اصنعوا لآل جعفر طعاما » « 1 » فقال : لم يكونوا هم اتخذوا ، إنما اتّخذ لهم . فهذا كله واجب على الرجل أن يمنع أهله منه ، ولا يرخّص لهم ، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى اللّه عز وجل ، وأعانهم على الإثم والعدوان ، واللّه تعالى يقول : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] قال العلماء : معناه أدّبوهم وعلّموهم . وروى ابن ماجة في « سننه » عن جرير بن عبد اللّه البجلي ، قال : « كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة » « 2 » . وفي حديث شجاع بن مخلد قال : « كانوا يرون » ، إسناده صحيح . وذكر الخرائطي عن هلال بن جناب قال : « الطعام على الميت من أمر الجاهلية » . وخرّج الآجري عن أبي موسى قال : ماتت أخت لعبد اللّه بن عمر ، فقلت لامرأتي : اذهبي فعزّيهم ، وبيتي عندهم ، فقد كان بيننا وبين آل عمر الذي كان .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 205 ) وأبو داود ( 3132 ) وابن ماجة ( 1610 ) وغيرهم ، وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 1612 ) وهو في « صحيح سنن ابن ماجة » برقم ( 1308 ) .